ابن ميثم البحراني

290

شرح نهج البلاغة

جمع غمرة وهى الزحمة من كثرة الناس والماء ونحوه . والعشوات : جمع عشوة وهى ركوب الأمر على جهل به . والغشوة بالغين المعجمة : هي الغطاء . والمبهمة : الأمر الملتبس . والمعضلات : الشدائد . وذكر من صفاتهم الَّتي هي سبب محبّة اللَّه لهم أربعين وصفا وقد علمت أنّ محبّة اللَّه تعالى تعود إلى إفاضة الكمالات النفسانيّة على نفس العبد بحسب قربه بالاستعداد لها إلى جوده فمن كان استعداده أتمّ كان استحقاقه أوفى فكانت محبّة اللَّه له أكمل . فالأوّل من تلك الأوصاف : كونه أعانه اللَّه على نفسه أي أفاضه قوّة على استعداد يقوّى به عقله على قهر نفسه الأمّارة بالسوء . الثاني : أن يستشعر الحزن أي يتّخذه شعارا له . وأراد الحزن على ما فرّط في جنب اللَّه واكتسب من الإثم فإنّه من جملة ما أعدّته المعونة الإلهيّة لاستشعاره ليستعدّ به لكمال أعلى . الثالث : أن يتجلبب الخوف وهو اتّخاذه جلبابا . استعار لفظ الجلباب وهو الملحفة للخوف من اللَّه والخشية من عقابه ، ووجه المشابهة ما يشتركان فيه من كون كلّ منهما متلبّسا به ، وهو أيضا معونة من اللَّه للعبد على تحصيل السعادة . الرابع : زهرة مصباح الهدى في قلبه وهو إشارة إلى شروق نور المعارف الإلهيّة على مرآة سرّه ، وهو ثمرة الاستعداد بالحزن والخوف ولذلك عطفه بالفاء ، واستعار لفظ المصباح لنور المعرفة لما يشتركان فيه من كون كلّ منهما سببا للهدى وهو استعارة لفظ المحسوس للمعقول . الخامس : كونه أعدّ القرى ليومه النازل به استعار لفظ القرى للأعمال الصالحة وأراد باليوم النازل به يوم القيامة واستلزمت الاستعارة تشبيهه لذلك اليوم بالضيف أو بيوم القرى للضيف المتوقّع نزوله ، ووجه المشابهة أنّ القرى كما يبيّض به وجه القاري عند ضيفه ويخلص به من ذمّه ويكسبه المحمدة والثناء منه كذلك الأعمال الصالحة في ذلك اليوم تكون سببا لخلاص العبد من أهواله وتكسبه رضاء الحقّ سبحانه والثواب الجزيل منه .